الشيخ محمد السند
172
تفسير ملاحم المحكمات
وقد روي هذا الحديث النبويّ بألفاظ متعدّدة بطرق مستفيضة عند الفريقين ، وعلى ضوء ذلك فمعرفة أحوال التاريخ ، وما جرى لأصحاب تلك الحقبة أمر بالغ الخطورة بحسب هذه القاعدة ؛ لأنّ أعمالهم ومصيرهم يؤثّر على نمط أعمال الإنسان ومصيره إذا أحبّ عملهم وتولّاهم أو تبرأ منهم ومن عملهم ، وتطابق هذه القاعدة قاعدة أخرى أصيلة ، وهي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب مرتبة القلب ، فإنّ ما جرى في الأمم السالفة من عدل فهو معروف يجب أن يحبّه الإنسان بحسب قلبه ويأمر بانتهاجه ، ولذلك ما جرى من ظلم وقبح فيجب أن ينكره المسلم بقلبه ، وينهى عن اتّباعه ، إذ قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها مراتب بحسب القلب واللسان واليد ، وهذه القاعدة بحسب المرتبة الأولى لا تختصّ بالأحياء ، بل تعمّ الماضين ، بل وتشمل القادمين في مستقبل الدهر . وهذا بعدٌ بديع في خلقة الإنسان حيث إنّ الإنسان في مرتبة روحه وقلبه يشرف على الدهور والأزمنة ، بل وعلى العوالم التي هي أوسع من الدنيا ، ألا ترى كيف يحكي لنا القرآن الكريم عمّا جرى بين الملائكة وبين اللَّه في استخلاف آدم ليعطينا العبرة ، وهي أنّ الحكمة ألا يعترض المخلوق على أفعال اللَّه تعالى إذا لم تتّضح له حكمة تلك الأفعال ، وأنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول ، كما يبيّن لنا القرآن الكريم صفات أهل النار في المحشر ، بل وفي جهنّم ، ممّا هم عليه من رذائل يتواجهون بها فيما بينهم في تلك الدار ممّا يعطي عبرة للإنسان وهو في دار الدنيا . وفي صحيحة الريّان بن شبيب ، قال : « دخلت على الرضا عليه السلام في أوّل يوم من المحرّم . . . : يا بن شبيب ، إن سرّك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبيّ صلى الله عليه وآله